أبي حيان الأندلسي
480
تفسير البحر المحيط
القاضي أبو يعلى * ( من الخاسرين ) * أنفسهم بإهلاكهم إياها ، وقال مجاهد : خسرانه أن عقلت إحدى رجلي القاتل لساقها إلى فخذها من يومئذ إلى يوم القيامة ، ووجهه إلى الشمس حيث ما دارت ، عليه في الصيف حظيرة من نار ، وعليه في الشتاء حظيرة من ثلج ، قال القرطبي : ولعل هذا يكون عقوبته على القول بأنه عاص لا كافر ، فيكون خسرانه في الدنيا ، وقيل * ( من الخاسرين ) * باسوداد وجهه ، وكفره باستحلاله ما حرم من قتل أخيه ، وفي الآخرة بعذاب النار ، وثبت في الحديث ' ما قتلت نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها ، وذلك لأنه أول من سن القتل ' وروي عن عبد الله بن عمر : أنه قال ' إنا لنجد ابن آدم القاتل يقاسم أهل النار قسمة صحيحة في العذاب ، عليه شطر عذابهم ' * ( فبعث الله غراباً يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه ) * روي : أنه أول قتيل قتل على وجه الأرض ، ولما قتل تركه بالعراء لا يدري ما يصنع به ، فخاف السباع ، فحمله في جراب على ظهره سنة حتى أروح ، وعكفت عليه السباع ، فبعث الله غرابين فاقتتلا ، فقتل أحدهما الآخر ، فحفر له بمنقاره ورجليه ، ثم ألقاه في الحفرة ، فقال * ( يا ويلتي أعجزت ) * ، وقيل : حمله مائة سنة ، وقيل : طلب في ثاني يوم إخفاء قتل أخيه ، فلم يدر ما يصنع ، وقيل : وبعث الله غراباً إلى غراب ميت ، فجعل يبحث في الأرض ويلقي التراب على الغراب الميت ، وقيل : بعث الله غراباً واحداً ، فجعل يبحث ويلقي التراب على هابيل ، وروي : أنه أول ميت مات على وجه الأرض ، وكذلك جهل سنة المواراة ، والظاهر أنه غراب بعثه الله يبحث في الأرض ليرى قابيل كيف يواري سوءة هابيل ، فاستفاد قابيل ببحثه في الأرض أن يبحث هو في الأرض فيستر فيه أخيه ، والمراد بالسوءة هنا ، قيل : العورة ، وخصت بالذكر مع أن المراد مواراة جميع الجسد ، للاهتمام بها ، ولأن سترها أوكد ، وقيل : جميع جيفته ، قيل : فإن الميت كله عورة ، ولذلك كفن بالأكفان ، قال ابن عطية : ويحتمل أن يراد بالسوءة : هذه الحالة التي تسوء الناظر بمجموعها ، وأضيفت إلى المقتول من حيث نزلت به النازلة ، لا على جهة الغض منه ، بل الغض لا حق للقاتل ، وهو الذي أتى بالسوءة انتهى ، والسوءة : الفضيحة لقبحها قال الشاعر : * يا لقومي للسوءة السوآة * أي : للفضيحة العظيمة ، قالوا : ويحتمل إن صح أنه قتل غراب غراباً ، أو كان ميتاً أن يكون الضمير في * ( أخيه ) * عائد على الغراب ، أي : ليرى قابيل كيف يواري الغراب سوءة أخيه ، وهو الغراب الميت ، فيتعلم منه بالأداة كيف يواري قابيل سوءة هابيل ، وهذا فيه بعد ، لأن الغراب لا تظهر له سوءة ، والظاهر أن الإرادة هنا من جعله يرى أي يبصر ، وعلق * ( ليريه ) * عن المفعول الثاني بالجملة التي فيها الاستفهام في موضع المفعول الثاني ، و * ( كيف ) * معمولة ل * ( يواري ) * ول * ( يريه ) * متعلق ب * ( يبحث ) * ويجوز أن يتعلق بقوله * ( فبعث ) * وضمير الفاعل في * ( ليريه ) * الظاهر أنه عائد على الله تعالى ، لأن الإرادة حقيقة هي من الله ، إذ ليس للغراب قصد الإراءة وإرادتها ، ويجوز أن يعود على الغراب ، أي : ليريه الغراب ، أي : ليعلمه ، لأنه لما كان سبب تعليمه ، فكأنه قصد تعليمه على سبيل المجاز ، ويظهر أن الحكمة في أن كان هذا المبعوث غراباً دون غيره من الحيوان ومن الطيور ، كونه يتشاءم به في الفراق ، والاغتراب ، وذلك مناسب لهذه القصة ، وقيل * ( فبعث ) * جملة محذوفة دل عليها المعنى تقديره : فجعل مواراته * ( فبعث ) * * ( قال يا